أحمد بن علي القلقشندي
349
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وملك بعده ابنه ( مراد بك ) وتوغَّل في بلاد النصرانية فيما وراء الخليج القسطنطينيّ في الجانب الغربيّ ، وفتح بلادهم إلى أن قرب من خليج البنادقة ، وجبال جنوة ، وصير أكثرهم أمراء ورعايا له ، وعاث في بلاد الكفّار بما لم يعهد قبله من مثله ، وأحاط بالقسطنطينيّة من كل جانب حتّى أعطاه صاحبها الجزية . ولم يزل على ذلك حتّى قتل في حرب الصّقالبة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة . وملك بعده ابنه ( أبو يزيد ) فجرى على سنن أبيه ، وغلب على قطعة من بلاد الروم هذه فيما بين سيواس وأنطاليا والعلايا ، بساحل البحر إلى قريب مدينة بني قرمان ، ثم تزوّج في بني قرمان بنت أحدهم وغلب على ما بيده من تلك النواحي ، ودخل بنو قرمان وسائر التّركمان في طاعته ، ولم يبق خارجا عن ملكه إلا سيواس التي كانت بيد قاضيها ( إبراهيم ) المتغلَّب عليها وملطية الداخلة في مملكة الديار المصرية ومضافاتها على ما تقدّم . ولم يزل على ذلك حتّى قصده تمرلنك ( 1 ) بعد تخريب الشام في سنة ثلاث وثمانمائة وقبض عليه ، فبقي في يده حتّى مات . وملك بعده ابنه ( سليمان جلبي ) وبقي حتّى مات . فملك بعده أخوه ( محمد بن أبي يزيد ) بن مراد بك بن عثمان جق ، وهو القائم بمملكتها إلى الآن . قال في « مسالك الأبصار » : ولو قد اجتمعت هذه البلاد لسلطان واحد ، وكفّت بها أكفّ المفاسد ، لما وسع ملوك الأرض إلا انتجاع سحابه ، وارتجاع كل زمان ذاهب في غير جنابه ، ثم قال : اللَّه أكبر إن ذلك لملك عظيم ، وسلك نظيم ، وسلطنة كبرى ودنيا أخرى * ( ( ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيه مَنْ يَشاءُ ) ) * * ( 2 )
--> ( 1 ) سبق التعريف به . ( 2 ) أنظر سورة المائدة ورقمها ( 5 ) آية رقم ( 54 )